ابن هشام الأنصاري

16

شرح قطر الندى وبل الصدى

الأزهر من براثن الرجعية وإلى النهوض به نهضة قوية ، وكان عماد تلك النهضة أساتذة أجلاء على رأسهم المغفور له الأستاذ محمد محيي الدين عبد الحميد ، إنه آنذاك عرضت عليه العروض لكي يمتنع عن مناصرة تلك الثورة ولكي يبتعد عن الوقوف بجانب أبنائه « * » ، ولكنه لم تلن له قناة ولم يخضع لتهديد ولم يأبه لوعيد ، وذلك خلق قوي في تلك الفترة العصيبة التي يدركها الجميع . ظل أستاذنا على هذا الوضع إلى أن صدر قرار بنقله مدرسا إلى معهد الإسكندرية انتقاما لموقفه المشرف ، فلم يزده ذلك إلا إصرارا على مناصرة الحق ، وإلا إصرارا على السير في ركاب الحرية ، وإلا إصرارا على الوقوف في وجه أولئك الطغاة الذين لا همّ لهم إلا أن يكبتوا الأنفاس ، ويخمدوا الأرواح الطاهرة البريئة ، وقد أراد اللّه للأزهر أن ينتصر ، وأراد اللّه أن تعود الدراسة بعد تعطيلها وأن يعود أستاذنا إلى كليته موفور الكرامة ، مرفوع الهامة ، مظلا لأبنائه بظله الوارف القوي ، لا يأخذه زهو العلم ، ولكنه كان كالأب الحنون العطوف على أبنائه ، بيته بيت الأبناء ، مكتبته مكتبة الأبناء ، فكنا نفد إليه نستطلع رأيه ونستفيد من خبرته ومن تجاربه ، فلم يضن على إنسان يوما ما بأيّ ناحية من تلك النواحي المتعلقة بدراسته ، وعندما أنشئت الدراسات العليا كان الرائد الأول لنا والموجه لنفعنا . . . « 1 » . « عندما عين وكيلا لكلية اللغة العربية ، وكانت الكلية آنذاك في حرب ضروس ومعاناة قوية من الداخل والخارج ، ما كاد يتولى أمرها ويسوس شأنها إلا ورأيناه يقود السفينة بحكمة الربان الماهر الحكيم ، فينهي المآزق القوية ، ويقضي على الفتن التي كادت تقضي على تلك الكلية ، وإن أستاذنا الجليل الدكتور عبد الرزاق السنهوري ، وكان وقتذاك وزيرا للمعارف ، رأى بثاقب فكره أن ذلك الرجل جدير بأن يتولى عمادة الكلية ؛ لتفتح ذهنه وتوقد فكره ، وإمكانه التفاهم مع كل الناس ، ولكنه لم يتمكن من إقناع المسؤولين لما عرف عن فقيدنا الراحل من جرأة في الحق لا ترضي بعض الناس آنذاك ، فانتقل إلى التفتيش ونقل من التفتيش إلى أصول الدين ظنا منهم أن ذلك الرجل الذي كرس حياته في علوم العربية لا يمكن أن يجلي في أي ميدان آخر ، ولكنه - بحمد اللّه - وهو الحصيف

--> ( * ) انظر جريدة « البلاغ » - 15 ديسمبر 1934 م والأعداد التالية حتى أول مايو 1935 م . ( 1 ) من كلمة الدكتور إبراهيم محمد نجا ( رحمه اللّه ) عميد كلية اللغة العربية بالقاهرة التي ألقاها في الحفل الذي أقامه مجمع اللغة العربية في مارس سنة 1973 م لتأبين الفقيد .